فصل: تفسير الآية رقم (4)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏120‏]‏

‏{‏مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏120‏)‏‏}‏

مَا كَانَ‏}‏ أي ما صح ولا استقام ‏{‏لاهْلِ المدينة وَمَنْ حَوْلَهُمْ مّنَ الاعراب‏}‏ كمزينة‏.‏ وجهينة‏.‏ وأشجع‏.‏ وغفار‏.‏ وأسلم‏.‏ وأضرا بهم ‏{‏أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ الله‏}‏ عند توجهه عليه الصلاة والسلام إلى الغزو ‏{‏وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ‏}‏ أي لا يصرفوها عن نفسه الكريمة ولا يصونوها عما لم يصنها عنه بل يكابدون ما يكابده من الشدائد، وأصله لا يترفعوا بأنفسهم عن نفسه بأن يكرهوا لأنفسهم المكاره ولا يكرهوها له عليه الصلاة والسلام بل عليهم أن يعكسوا القضية، وإلى هذا يشير كلام الواحدي حيث قال‏:‏ يقال رغبت بنفسي عن هذا الأمر أي ترفعت عنه‏.‏ وفي النهاية يقال‏:‏ رغبت بفلان عن هذا الأمر أي كرهت له ذلك‏.‏

وجوز في ‏{‏يَرْغَبُواْ‏}‏ النصب بعطفه على ‏{‏يَتَخَلَّفُواْ‏}‏ المنصوب بأن واعادة ‏{‏لا‏}‏ لتذكير النفي وتأكيده وهو الظاهر والجزم على النهي وهو المراد من الكلام إلا أنه عبر عنه بصيغة النفي للمبالغة، وخص أهل المدينة بالذكر لقربهم منه عليه الصلاة والسلام وعلمهم بخروجه، وظاهر الآية وجوب النفير إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو بنفسه‏.‏

وذكر بعضهم أنه استدل بها على أن الجهاد كان فرض عين في عهده عليه عليه الصلاة والسلام وبه قال ابن بطال‏:‏ وعلله بأنهم بايعوه عليه عليه الصلاة والسلام فلا يجب النفير مع أحد من الخلفاء ما لم يلم العدو ولم يمكن دفعه بدونه، وقدر بعضهم في الآية مضافاً إلى رسول أي أن يتخلفوا عن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خلاف الظاهر؛ وعليه يكون الحكم عاماً وفيه بحث‏.‏

وأخرج ابن جرير‏.‏ وغيره عن ابن زيد أن حكم الآية حين كان الإسلام قليلاً فلما كثر وفشا قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 122‏]‏، وأنت تعلم أن الإسلام كان فاشياً عند نزول هذه السورة، ولا يخفى ما في الآية من التعريض بالمتخلفين رغبة باللذائذ وسكونا إلى الشهوات غير مكترثين بما يكابد عليه الصلاة والسلام، وقد كان تخلف جماعة عنه صلى الله عليه وسلم كما علمت لذلك، وجاء أن أناساً من المسلمين تخلفوا ثم ان منهم من ندم وكره مكانه فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم غير مبال بالشدائد كأبي خثيمة فقد روي «أنه رضي الله تعالى عنه بلغ بستانه وكانت له امرأة حسناء فرشت له في الظل وبسطت له الحصير وقربت إليه الرطب والماء البارد فنظر فقال‏:‏ ظل ظليل ورطب يانع وماء بارد وامرأة حسناء ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح ما هذا بخير مقام فرحل ناقته وأخذ سيفه ورمحه ومر كالريح فمد رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفه إلى الطريق فإذا براكب يزهاه السراب فقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ كن أبا خيثمة فكانه ففرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم واستغفر له»

‏{‏ذلك‏}‏ إشارة إلى ما دل عليه الكلام من وجوب المشايعة ‏{‏بِأَنَّهُمْ‏}‏ أي بسبب أنهم ‏{‏لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ‏}‏ أي شيء من العطش‏.‏ وقرىء بالمد والقصر ‏{‏وَلاَ نَصَبٌ‏}‏ ولا تعب ما ‏{‏وَلاَ مَخْمَصَةٌ‏}‏ ولا مجاعة ما ‏{‏فِى سَبِيلِ الله‏}‏ في جهاد أعدائه أو في طاعته سبحانه مطلقاً ‏{‏وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكفار‏}‏ أي يغضبهم ويضيق صدورهم والوطء الدوس بالأقدام ونحوها كحوافر الخيل وقد يفسر بالإيقاع والمحاربة‏.‏ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «آخر وطأة وطأها الله تعالى بوج» والموطىء اسم مكان على الأشهر الأظهر، وفاعل ‏{‏يَغِيظُ‏}‏ ضميره بتقدير مضاف أي يغيظ وطؤه لأن المكان نفسه لا يغيظ، ويحتمل أن يكون ضميراً عائداً إلى الوطء الذي في ضمنه، وإذا جعل الموطىء مصدراً كالمورد فالأمر ظاهر ‏{‏وَلاَ يَنَالُونَ‏}‏ أي ولا يأخذون ‏{‏مِنْ عَدُوّ نَّيْلاً‏}‏ أي شيئاً من الأخذ فهو مصدر كالقتل والأسر والفعل نال ينيل‏.‏ وقيل‏:‏ نال ينول فأصل نيلاً نولاً فأبدلت الواو ياء على غير القياس، ويجوز أن يكون بمعنى المأخوذ فهو مفعول به لينالون أي لا ينالون شيئاً من الأشياء ‏{‏إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ‏}‏ أي بالمذكور وهو جميع ما تقدم ولذا وحد الضمير، ويجوز أن يكون عائداً على كل واحد من ذلك على البدل‏:‏ قال النسفي‏.‏ وحد الضمير لأنه لما تكررت ‏{‏لا‏}‏ صار كل واحد منها على البدل مفرداً بالذكر مقصوداً بالوعد، ولذا قال فقهاؤنا‏:‏ لو حلف لا يأكل خبزاً ولا لحماً حنث بواحد منهما ولو حلف لا يأكل لحماً وخبزاً لم يحنث إلا بالجميع بينهما، والجملة في محل نصب على الحال من ‏{‏ظَمَأٌ‏}‏ وما عطف عليه أي لا يصيبهم ظمأ ولا كذا إلا مكتوباً لهم به ‏{‏عَمَلٌ صَالِحٌ‏}‏ أي ثواب ذلك فالكلام بتقدير مضاف، وقد يجعل كناية عن الثواب وأول به لأنه المقصود من كتابة الأعمال، والتنوين للتفخيم، والمراد أنهم يستحقون ذلك استحقاقاً لازماً بمقتضى وعده تعالى لا بالوجوب عليه سبحانه‏.‏ واستدل بالآية على أن من قصد خيراً كان سعيه فيه مشكوراً من قيام وقعود ومشي وكلام وغير ذلك، وعلى أن المدد يشارك الجيش في الغنيمة بعد انقضاء الحرب لأن وطء ديارهم مما يغيظهم‏.‏ ولقد أسهم النبي صلى الله عليه وسلم لابني عامر وقد قدما بعض تقضي الحرب، واستدل بها على ما نقل الجلال السيوطي أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه على جواز الزنا بنساء أهل الحرب في دار الحرب ‏{‏إِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين‏}‏ على إحسانهم، والجملة في موضع التعليل للكتب، والمراد بالمحسنين إما المبحوث عنهم ووضع المظهر موضع المضمر لمدحهم والشهادة لهم بالانتظام في سلك المحسنين وأن أعمالهم من قبيل الإحسان وللاشعار بعلية المأخذ للحكم وإما الجنس وهم دخولاً أولياً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏121‏]‏

‏{‏وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏121‏)‏‏}‏

وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً‏}‏ ولو تمرة أو علاقة سوط ‏{‏وَلاَ كَبِيرَةً‏}‏ كما أنفق عثمان رضي الله تعالى عنه في جيش العسرة، وذكر الكبيرة بعد الصغيرة وان علم من الثواب على الأولى الثواب على الثانية لأن المقصود التعميم لا خصوص المذكور إذ المعنى ولا ينفقون شيئاً ما فلا يتوهم أن الظاهر العكس، وفي أرشاد العقل السليم أن الترتيب باعتبار كثرة الوقوع وقلته، وتوسيط ‏{‏لا‏}‏ للتنصيص على استبداد كل منهما بالكتب والجزاء لا لتأكيد النفي كما في قوله تعالى شأنه‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَقْطَعُونَ‏}‏ أي ولا يتجاوزون في سيرهم لغزو ‏{‏وَادِيًا‏}‏ وهو في الأصل اسم فاعل من ودي إذا سال فهو بمعنى السيل نفسه ثم شاع في محله وهو المنعرج من الجبال والآكام التي يسيل فيها الماء ثم صار حقيقة في مطلق الأرض ويجمع على أودية كناد على أندية وناج على أنجية ولا رابع لهذه على ما قيل في كلام العرب ‏{‏إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ‏}‏ أي أثبت لهم أو كتب في الصحف أو اللوح ولا يفسر الكتب بالاستحقاق لمكان التعليل بعد، وضمير ‏{‏كتاب‏}‏ على طرز ما سبق أي المذكور أو كل واحد، وقيل‏:‏ هو للمعل وليس بذاك وفصل هذا وأخر لأنه أهون مما قبله ‏{‏لِيَجْزِيَهُمُ الله‏}‏ بذلك ‏{‏أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏ أي أحسن جزاء أعمالهم على معنى أن لأعمالهم جزاء حسناً وأحسن وهو سبحانه اختار لهم أحسن جزاء فانتصاب ‏{‏أَحْسَنُ‏}‏ على المصدرية لإضافته إلى مصدر محذوف‏.‏

وقال الإمام‏:‏ فيه وجهان‏:‏ الأول أن الأحسن صفة عملهم وفيه الواجب‏.‏ والمندوب‏.‏ والمباح فهو يجزيهم على الأولين دون الأخير، والظاهر أن نصب ‏{‏أَحْسَنُ‏}‏ حينئذ على أنه بدل اشتمال من ضمير يجزيهم كما قيل‏.‏ وأورد عليه أنه ناء عن المقام مع قلة فائدته لأن حاصله أنه تعالى يجزيهم على الواجب والمندوب وأن ما ذكر منه ولا يخفى ركاكته وأنه غير خفي على أحد كونه كناية عن العفو عما فرط منهم في خلاله أن وقع لأن تحصيص الجزاء به يشعر بأنه لا يجازي على غيره خلاف الظاهر، ثم قال‏:‏ الثاني أن الأحسن صفة للجزاء أي ليجزيهم جزاء هو أحسن من أعمالهم وأفضل وهو الثواب‏.‏ واعترضه أبو حيان بأنه إذا كان الأحسن صفة الجزاء كيف يضاف إلى الأعمال وليس بعضاً منها وكيف يفضل عليهم بدون من، ولا وجه لدفعه بأن أصله مما كانوا الخ فحذف ‏{‏مِنْ‏}‏ مع بقاء المعنى على حاله كما قيل لأنه لا محصل له‏.‏ هذا ووصف النفقة بالصغيرة والكبيرة دون القليلة والكثيرة مع أن المراد ذلك قيل حملاً للطاعة على المعصية فإنها إنما توصف بالصغيرة والكبيرة في كلامهم دون القليلة والكثيرة فتأمل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏122‏]‏

‏{‏وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ‏(‏122‏)‏‏}‏

وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً‏}‏ أي ما استقام لهم أن يخرجوا إلى الغزو جميعاً‏.‏ روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه تعالى لما شدد على المتخلفين قالوا‏:‏ لا يتخلف منا أحد عن جيش أو سرية أبدا ففعلوا ذلك وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده فنزل ‏{‏وَمَا كَانَ‏}‏ الخ والمراد نهيهم عن النفير جميعاً لما فيه من الإخلال بالتعلم ‏{‏فَلَوْلاَ نَفَرَ‏}‏ لولا هنا تحضيضية، وهي مع الماضي تفيد التوبيخ على ترك الفعل ومع المضارع تفيد طلبه والأمر به لكن اللوم على الترك فيما يمكن تلافيه قد يفيد الأمر به في المستقبل أي فهلا نفر ‏{‏مِن كُلّ فِرْقَةٍ‏}‏ أي جماعة كثيرة ‏{‏مِنْهُمْ‏}‏ كأهل بلدة أو قبيلة عظيمة ‏{‏طَائِفَةٌ‏}‏ أي جماعة قليلة، وحمل الفرقة والطائفة على ذلك مأخوذ من السياق ومن التبعيضية لأن البعض في الغالب أقل من الباقي وإلا فالجوهري لم يفرق بينهما، وذكر بعضهم أن الطائفة قد تقع على الواحد، وآخرون أنها لا تقع وأن أقلها اثنان، وقيل‏:‏ ثلاثة ‏{‏لّيَتَفَقَّهُواْ فِى الدين‏}‏ أي ليتكلفوا الفقاهة فيه فصيغة التفعل للتكلف، وليس المراد به معناه المتبادر بل مقاساة الشدة في طلب ذلك لصعوبته فهو لا يحصل بدون جد وجهد ‏{‏وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏}‏ أي عما ينذرون منه وضمير يتفقوا وينذروا عائد إلى الفرقة الباقية المفهومة من الكلام، وقيل‏:‏ لا بد من إضمار وتقدير، أي فلولا نفر من كل فرقة طائفة وأقام طائفة ليتفقهوا الخ‏.‏

وكان الظاهر أن يقال‏:‏ ليعلموا بدل ‏{‏لينذروا‏}‏ ويفقهون بدل ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏}‏ لكنه اختير ما في النظم الجليل للإشارة إلى أنه ينبغي أن يكون غرض المعلم الإرشاد والإنذار وغرض المتعلم اكتساب الخشية لا التبسط والاستكبار‏.‏

قال حجة الإسلام الغزالي عليه الرحمة‏:‏ كان اسم الفقه في العصر الأول اسماً لعلم الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة واستيلاء الخوف على القلب وتدل عليه هذه الآية فما به الإنذار والتخويف هو الفقه دون تعريفات الطلاق واللعان والسلم والاجارات، وسأل فرقد السنجي الحسن عن شيء فأجابه فقال‏:‏ إن الفقهاء يخالفونك فقال الحسن‏:‏ ثكلتك أمك هل رأيت فقيهاً يعينك‏؟‏ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بدينه المداوم على عبادة ربه الورع الكاف عن إعراض المسلمين العفيف عن أموالهم الناصح لجماعتهم، ولم يقل في جميع ذلك الحافظ لفروع الفتاوى اه وهو من الحسن بمكان، لكن الشائع إطلاق الفقيه على من يحفظ الفروع مطلقاً سواء كانت بدلائلها أم لا كما في التحرير‏.‏

وفي «البحر» عن المنتقى ما يوافقه، واعتبر في القنية الحفظ مع الأدلة فلا يدخل في الوصية للفقهاء من حفظ بلا دليل‏.‏ وعن أبي جعفر أنه قال‏:‏ الفقيه عندنا من بلغ في الفقه الغاية القصوى، وليس المتفقه بفقيه وليس له من الوصية نصيب، والظاهر أن المعتبر في الوصية ونحوها العرف وهو الذي يقتضيه كلام كثير من أصحابنا، وذكر غير واحد أن تخصيص الإنذار بالذكر لأنه الأهم وإلا فالمقصود الإرشاد الشامل لتعليم السنن والآداب والواجبات والمباحات والإنذار أخص منه، ودعوى أنهما متلازمان وذكر أحدهما مغن عن الآخر غفلة أو تغافل، وذهب كثير من الناس إلى أن المراد من النفر النفر والخروج لطلب العلم فالآية ليست متعلقة بما قبلها من أمر الجهاد بل لما بين سبحانه وجوب الهجرة والجهاد وكل منهما سفر لعبادة فبعدما فضل الجهاد ذكر السفر الآخر وهو الهجرة لطلب العلم فضمير يتفقهوا وينذروا للطائفة المذكورة وهي النافرة وهو الذي يقتضيه كلام مجاهد‏.‏ فقد أخرج عنه ابن جرير‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وغيرهما أنه قال‏:‏ إن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا في البوادي فأصابوا من الناس معروفاً ومن الخصب ما ينتفعون به ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى فقال لهم الناس‏:‏ ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا فوجدوا في أنفسهم من ذلك تحرجاً وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية ‏{‏وَمَا كَانَ المؤمنون‏}‏ الخ أي لولا خرج بعض وقعد بعض يبتغون الخير ليتفقهوا في الدين وليسمعوا ما أنزل ولينذروا الناس إذا رجعوا إليهم‏.‏

وستدل بذلك على أن التفقه في الدين من فروض الكفاية‏.‏ وما في كشف الحجاب عن أبي سعيد «طلب العلم فريضة على كل مسلم» على تضعيف الصغاني له ليس المراد من العلم فيه إلا ما يتوقف عليه آداء الفرائض ولا شك في أن تعلمه فرض على كل مسلم‏.‏ وذكر بعضهم أن في الآية دلالة على أن خبر الآحاد حجة لأن عموم كل فرقة يقتضي أن ينفر من كل ثلاثة تفردوا بقرية طائفة إلى التفقه لتنذر قومها كي يتذكروا ويحذروا فلو لم يعتبر الإخبار ما لم تتواتر لم يفد ذلك، وقرر بعضهم وجه الدلالة بأمرين‏.‏ الأول أنه تعالى أمر الطائفة بالإنذار وهو يقتضي فعل المأمور به وإلا لم يكن إنذاراً‏.‏ والثاني أمره سبحانه القوم بالحذر عند الإنذار لأن معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏}‏ ليحذروا وذلك أيضاً يتضمن لزوم العمل بخبر الواحد، وهذه الدلالة قائمة على أي تفسير شئت من التفسيرين، ولا يتوقف الاستدلال بالآية على ما ذكر على صدق الطائفة على الواحد الذي هو مبدأ الإعداد بل يكفي فيه صدقها على ما لم يبلغ حد التواوتر وإن كان ثلاثة فأكثر، وكذا لا يتوقف على أن لا يكون الترجي من المنذرين بل يكون من الله سبحانه ويراد منه الطلب مجازاً كما لا يخفى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏123‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ‏(‏123‏)‏‏}‏

يَحْذَرُونَ ياأيها الذين ءامَنُواْ قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مّنَ الكفار‏}‏ أي الذين يقربون منكم قرباً مكانياً وخص الأمر به مع قوله سبحانه في أول السورة‏:‏ ‏{‏اقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 5‏]‏ ونحوه قيل‏:‏ لأنه من المعلوم أنه لا يمكن قتال جميع الكفار وغزو جميع البلاد في زمان واحد فكان من قرب أولى ممن بعد، ولأن ترك الأقرب والاشتغال بقتال إلا بعد لا يؤمن معه من الهجوم على الذراري والضعفاء، وأيضاً الأبعد لا حد له بخلاف الأقرب فلا يؤمر به، وقد لا يمكن قتال إلا بعد قبل قتال الأقرب، وقال بعضهم‏:‏ المراد قاتلوا الأقرب فالأقرب حتى تصلوا إلى الأبعد فالأبعد وبذلك يحصل الغرض من قتال المشركين كافة، فهذا إرشاد إلى طريق تحصيله على الوجه الأصلح‏.‏

ومن هنا قاتل صلى الله عليه وسلم أولاً قومه ثم انتقل إلى قتال سائر العرب ثم إلى قتال قريظة‏.‏ والنضير‏.‏ وخيبر‏.‏ وأضرابهم ثم إلى قتال الروم فبدأ عليه الصلاة والسم بقتال الأقرب فالأقرب وجرى أصحابه على سننه صلى الله عليه وسلم إلى أن وصلت سراياهم وجيوشهم إلى ما شاء الله تعالى وعلى هذا فلا نسخ، وروي عن الحسن أن الآية منسوخة بما تقدم والمحققون على أنه لا وجه له، وزعم الخازن تبعاً لغيره أن المراد من الولي ما يعم القرب المكاني والنسبي وهو خلاف الظاهر، وقيل‏:‏ إنه خاص بالنسبي لأنها نزلت لما تحرج الناس من قتل أقربائهم، ولا يخفى ضعفه‏.‏

‏{‏وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً‏}‏ أي شدة كما قال ابن عباس وهي مثلثة الغين، وقرىء بذلك لكن السبعة على الكسر، والمراد من الشدة ما يشمل الجراءة والصبر على القتال والعنف في القتل والأسر ونحو ذلك، ومن هنا قالوا‏:‏ إنها كلمة جامعة والأمر على حد لا أرينك ههنا فليس المقصود أمر الكفار بأن يجدوا في المؤمنين ذلك بل أمر المؤمنين بالاتصاف بما ذكر حتى يجدهم الكفار متصفين به ‏{‏واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين‏}‏ بالعصمة والنصرة، والمراد بهم إما المخاطبون والإظهار للتنصيص على أن الإيمان والقتال على الوجه المذكور من باب التقوى والشهادة بكونهم من زمرة المتقين، وإما الجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً، وأياً ما كان فالكلام تعليل وتأكيد لما قبله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏124‏]‏

‏{‏وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ‏(‏124‏)‏‏}‏

وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ‏}‏ من سور القرآن ‏{‏فَمِنْهُمْ‏}‏ أي من المنافقين كما روي عن قتادة‏.‏ وغيره ‏{‏مَن يِقُولُ‏}‏ على سبيل الإنكار والاستهزاء لإخوانه ليثبتهم على النفاق أو لضعفة المؤمنين ليصدهم عن الإيمان ‏{‏أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه‏}‏ السورة ‏{‏إيمانا‏}‏ وقرأ عبيد بن عمير ‏{‏أَيُّكُمْ‏}‏ بالنصب على تقدير فعل يفسره المذكور ويقدر مؤخراً لأن الاستفهام له الصدر أي أيكم زادت زادته الخ‏.‏

واعتبار الزيادة على أول الاحتمالين في المخاطبين باعتبار اعتقاد المؤمنين ‏{‏فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ‏}‏ جواب من جهته تعالى شأنه وتحقيق للحق وتعيين لحالهم عاجلاً وآجلاً‏.‏ وقال بعض المدققين‏:‏ إن الآية دلت على أنهم مستهزئون وأن استهزاءهم منكر فجاء قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ وَأَمَّا الذين فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 125‏]‏ الخ تفصيلاً لهذين القسمين، وجعل ذلك الطيبي تفصيلاً لمحذوف وبينه بما لا يميل القلب إليه، وأياً ما كان فجواب ‏{‏إِذَا‏}‏ جملة ‏{‏فَمِنْهُمْ‏}‏ الخ، وليس هذا وما بعده عطفاً عليه؛ أي فأما الذين آمنوا بالله سبحانه وبما جاء من عنده ‏{‏فَزَادَتْهُمْ إيمانا‏}‏ أي تصديقاً لأن ذلك هو المتبادر من الإيمان كما قرر في محله‏.‏

وقبول التصديق نفسه الزيادة والنقص والشدة والضعف مما قال به جمع من المحققين وبه أقول لظواهر الآيات والأخبار ولو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً، ومن لم يقبل قبوله للزيادة ولم يدخل الأعمال في الإيمان قال‏:‏ إن زيادته بزيادة متعلقه والمؤمن به، وإليه يشير كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قيل‏:‏ ويلزمه أن لا يزيد اليوم لإكمال الدين وعدم تجدد متعلق وفيه نظر وإن قاله من تعقد عليه الخناصر وتعتقد بكلامه الضمائر، ومن لم يقبل وأدخل الأعمال فالزيادة وكذا مقابلها ظاهرة عنده ‏{‏وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ‏}‏ بنزولها لأنه سبب لزيادة كمالهم ورفع درجاتهم بل هو لعمري أجدى من تفاريق العصا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏125‏]‏

‏{‏وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ‏(‏125‏)‏‏}‏

وَأَمَّا الذين فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ‏}‏ أي نفاق ‏{‏فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ‏}‏ أي نفاقاً مضموماً إلى نفاقهم فالزيادة متضمنة معنى الضم ولذا عديت بإلى، وقيل‏:‏ إلى بمعنى مع ولا حاجة إليه ‏{‏وَمَاتُواْ وَهُمْ كافرون‏}‏ واستحكم ذلك فيهم إلى أن يموتوا عليه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏126‏]‏

‏{‏أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ‏(‏126‏)‏‏}‏

أَوَلاَ يَرَوْنَ‏}‏ يعني المنافقين، والهمزة للإنكار والتوبيخ، والكلام في العطف شهير‏.‏ وقرأ حمزة‏.‏ ويعقوب‏.‏ وأبي بن كعب بالتاء الفوقانية على أن الخطاب للمؤمنين والهمزة للتعجيب أي أولا يعلمون وقيل أولا يبصرون ‏{‏أَنَّهُمْ‏}‏ أي المنافقين ‏{‏يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ‏}‏ من الأعوام ‏{‏مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ‏}‏ بأفانين البليات من المرض والشدة مما يذكر الذنوب والوقوف بين يدي علام الغيوب فيؤدي إلى الإيمان به تعالى والكف عما هم عليه، وفي الخبر «إذا مرض العبد ثم عوفي ولم يزدد خيراً قالت الملائكة‏:‏ هو الذي داويناه فلم ينفعه الدواء» فالفتنة هنا بمعنى البلية والعذاب، وقيل‏:‏ هي بمعنى الاختبار، والمعنى أولا يرون أنهم يختبرون بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعاينون ما ينزل عليه من الآيات لا سيما الآيات الناعية عليهم قبائحهم ‏{‏ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ‏}‏ عما هم فيه ‏{‏وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ‏}‏ ولا يعتبرون‏.‏

والجملة على قراءة الجمهور عطف على ‏{‏يَرَوْنَ‏}‏ داخل تحت الإنكار والتوبيخ، وعلى القراءة الأخرى عطف على ‏{‏يُفْتَنُونَ‏}‏ والمراد من المرة والمرتين على ما صرح به بعضهم مجرد التكثير لا بيان الوقوع على حسب العدد المزبور‏.‏ وقرأ عبد الله ‏{‏أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَمَا يَتَذَكَّرُونَ‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏127‏]‏

‏{‏وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ‏(‏127‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ‏}‏ بيان لأحوالهم عند نزولها وهم في محفل تبليغ الوحي كما أن الأول بيان لمقالاتهم وهم غائبون عنه ‏{‏نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ‏}‏ ليتواطؤا على الهرب كراهة سماعها قائلين إشارة‏:‏ ‏{‏هَلْ يَرَاكُمْ مّنْ أَحَدٍ‏}‏ أي هل يراكم أحد من المسلمين إذا قمتم من المجس أو تغامزوا بالعيون إنكاراً وسخرية بها قائلين هل يراكم أحد لننصرف مظهرين أنهم لا يصطبرون على استماعها ويغلب عليهم الضحك فيفتضحون، والسورة على هذا مطلقة، وقيل‏:‏ إن نظر بعضهم إلى بعض وتغامزهم كان غيظاً لما في السورة من مخازيهم وبيان قبائحهم، فالمراد بالسورة سورة مشتملة على ذلك، والإطلاق هو الظاهر، وأياً ما كان فلا بد من تقدير القول قبل الاستفهام ليرتبط الكلام، فإن قدر اسماً كان نصباً على الحال كما أشرنا إليه، وإن قدر فعلاً كانت الجملة في موضع الحال أيضاً، ويجوز جعلها مستأنفة، وإيراد ضمير الخطاب لبعث المخاطبين على الحزم فإن المرء بشأنه أكثر اهتماماً منه في شأن أصحابه كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 19‏]‏ ‏{‏ثُمَّ انصرفوا‏}‏ عطف على ‏{‏نَّظَرَ بَعْضُهُمْ‏}‏ والتراخي باعتبار وجود الفرصة والوقوف على عدم رؤية أحد من المؤمنين، أي ثم انصرفوا جميعاً عن محفل الوحي لعدم تحملهم سماع ذلك لشدة كراهتهم أو مخافة الفضيحة بغلبة الضحك أو الاطلاع على تغامزهم‏.‏ أو انصرفوا عن المجلس بسبب الغيظ، وقيل‏:‏ المراد انصرافهم عن الهداية والأول أظهر‏.‏

‏{‏صَرَفَ الله قُلُوبَهُم‏}‏ عن الإيمان حسب انصرافهم عن ذلك المجلس، والجملة تحتمل الإخبار والدعاء، واختار الثاني أبو مسلم‏.‏ وغيره من المعتزلة، ودعاؤه تعالى على عباده وعيد لهم وإعلام بلحوق العذاب بهم؛ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏بِأَنَّهُمْ‏}‏ قيل متعلق بصرف على الاحتمال الأول وبانصرفوا على الثاني، والباء للسببية أي بسبب أنهم ‏{‏قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ‏}‏ لسوء فهمهم أو لعدم تدبرهم فهم إما حمقى أو غافلون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏128‏]‏

‏{‏لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ‏(‏128‏)‏‏}‏

‏{‏لَقَدْ جَاءكُمْ‏}‏ الخطاب للعرب ‏{‏رَّسُولٍ‏}‏ أي رسول عظيم القدر ‏{‏مّنْ أَنفُسِكُمْ‏}‏ أي من جنسكم ومن نسبكم عربي مثلكم، أخرج عبد بن حميد‏.‏ وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال‏:‏ ليس من العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي صلى الله عليه وسلم مضريها وربيعتها ويمانيها، وقيل‏:‏ الخطاب للبشر على الإطلاق ومعنى كونه عليه الصلاة والسلام من أنفسهم أنه من جنس البشر، وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما‏.‏ وابن محيصن‏.‏ والزهري ‏{‏أَنفُسَكُمْ‏}‏ أفعل تفضيل من النفاسة، والمراد الشرف فهو صلى الله عليه وسلم من أشرف العرب، أخرج الترمذي وصححه‏.‏ والنسائي عن المطلب بن ربيعة قال‏:‏ «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بلغه بعض ما يقول الناس فصعد المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال‏:‏ «من أنا»‏؟‏ قالوا‏:‏ أنت رسول الله قال‏:‏ ‏"‏ أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب إن الله تعالى خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة، وجعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، وجعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً فأنا خيركم بيتاً وخيركم نفساً ‏"‏ وأخرج البخاري‏.‏ والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً حتى كنت من القرن الذي كنت فيه ‏"‏ وأخرج مسلم‏.‏ وغيره عن واثلة بن الأسقع قال‏:‏ «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم»‏.‏ وروى البيهقي عن أنس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ ما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله تعالى في خيرهما فأخرجت من بني أبوي فلم يصبني شيء من عهر الجاهلية وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأمي فأنا خيركم نفساً وخيركم أباً ‏"‏ ‏{‏عَزِيزٌ عَلَيْهِ‏}‏ أي شديد شاق من عز عليه بمعنى صعب وشق ‏{‏مَا عَنِتُّمْ‏}‏ أي عنتكم، وهو بالتحريك ما يكره، أي شديد عليه ما يلحقكم من المكروه كسوء العاقبة والوقوع في العذاب، ورفع ‏{‏عَزِيزٌ‏}‏ على أنه صفة سببية لرسول وبه يتعلق ‏{‏عَلَيْهِ‏}‏، وفاعله المصدر وهو الذي يقتضيه ظاهر النظم الجليل، وقيل‏:‏ إن ‏{‏عَزِيزٌ عَلَيْهِ‏}‏ خبر مقدم و‏{‏مَا عَنِتُّمْ‏}‏ ابتداء كلام أي يهمه ويشق عليكم عنتكم ‏{‏حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ‏}‏ أي على إيمانكم وصلاح شأنكم لأن الحرص لا يتعلق بذواتهم ‏{‏بالمؤمنين‏}‏ منكم ومن غيركم ‏{‏رَءوفٌ رَّحِيمٌ‏}‏ قيل‏:‏ قدم الأبلغ منهما وهو الرأفة التي هي عبارة عن شدة الرحمة رعاية للفواصل وهو أمر مرعي في القرآن، وهو مبني على ما فسر به الرأفة، وصحح أن الرأفة الشفقة، والرحمة الإحسان، وقد يقال‏:‏ تقديم الرأفة باعتبار أن آثارها دفع المضار وتأخير الرحمة باعتبار أن آثارها جلب المنافع والأول أهم من الثاني ولهذا قدمت في قوله سبحانه‏:‏

‏{‏رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 27‏]‏ ولا يجري هنا أمر الرعاية كما لا يخفى، وكأن الرأفة على هذا مأخوذة من رفو الثوب لإصلاح شقه، فيكونف ي وصفه صلى الله عليه وسلم بما ذكر وصف له بدفع الضرر عنهم وجلب المصلحة لهم، ولم يجمع هذان الإسمان لغيره عليه الصلاة والسلام، وزعم بعضهم أن المراد رؤوف بالمطيعين منهم رحيم بالمذنبين، وقيل‏:‏ رؤوف بأقربائه رحيم بأوليائه، وقيل‏:‏ رؤوف بمن يراه رحيم بمن لم يره ولا مستند لشيء من ذلك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏129‏]‏

‏{‏فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ‏(‏129‏)‏‏}‏

‏{‏فَإِن تَوَلَّوْاْ‏}‏ تلوين للخطاب وتوجيه له إليه صلى الله عليه وسلم تسلية له، أي فإن أعرضوا عن الإيمان بك ‏{‏فَقُلْ حَسْبِىَ الله‏}‏ فإنه يكفيك معرتهم ويعينك عليهم ‏{‏لاَ إله إِلاَّ هُوَ‏}‏ استئناف كالدليل لما قبله لأن المتوحد بالألوهية هو الكافي المعين ‏{‏عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ‏}‏ فلا أرجو ولا أخاف إلا منه سبحانه ‏{‏وَهُوَ رَبُّ العرش‏}‏ أي الجسم المحيط بسائر الأجسام ويسمى بفلك الأفلاك وهو محدد الجهات ‏{‏العظيم‏}‏ الذي لا يعلم مقدار عظمته إلا الله تعالى‏.‏ وفي الخبر «أن الأرض بالنسبة إلى السماء الدنيا كحلقة في فلاة وكذا السماء الدنيا بالنسبة إلى السماء‏.‏ التي فوقها وهكذا إلى السماء السابعة وهي بالنسبة إلى الكرسي كحلقة في فلاة وهو بالنسبة إلى العرش كذلك» وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لا يقدر قدره أحد، وذكر أهل الأرصاد أن بعد مقعر الفلك الأعظم من مركز العالم ثلاثة وثلاثون ألف ألف وخمسمائة وأربعة وعشرون ألفاً وستمائة وتسع فراسخ، وأن بعد محدبه منه قد بلغ مرتبة لا يعلمها إلا الله الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وهو بكل شيء عليم، وقد يفسر العرش هنا بالملك وهو أحد معانيه كما في «القاموس»، وقرىء ‏{‏العظيم‏}‏ بالرفع على أنه صفة الرب، وختم سبحانه هذه السورة بما ذكر لأنه تعالى ذكر فيها التكاليف الشاقة والزواجر الصعبة فأراد جل شأنه أن يسهل عليهم ذلك ويشجع النبي صلى الله عليه وسلم على تبليغه، وقد تضمن من أوصافه صلى الله عليه وسلم الكريمة ما تضمن، وقد بدأ سبحانه من ذلك بكونه من أنفسهم لأنه كالأم في هذا الباب، ولا ينافي وصفه صلى الله عليه وسلم بالرأفة والرحمة بالمؤمنين تكليفه إياهم في هذه السورة بأنواع من التكاليف الشاقة لأن هذا التكليف أيضاً من كمال ذلك الوصف من حيث أنه سبب للتخلص من العقاب المؤبد والفوز بالثواب المخلد، ومن هذا القبيل معاملته صلى الله عليه وسلم للثلاثة الذين خلفوا كما علمت، وما أحسن ما قيل

فقسا ليزدجروا ومن يك حازما *** فليقس أحياناً على من يرحم

وهاتان الآيتان على ما روي عن أبي بن كعب آخر ما نزل من القررن‏.‏ لكن روى الشيخان عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه أنه قال‏:‏ آخر آية نزلت ‏{‏يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِى الكلالة‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 176‏]‏ وآخر سورة نزلت براءة‏.‏

وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما آخر آية نزلت ‏{‏واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 281‏]‏ وكان بين نزولها وموته صلى الله عليه وسلم ثمانون يوماً، وقيل‏:‏ تسع ليال، وحاول بعضهم التوفيق بين الروايات في هذا الشأن بما لا يخلو عن كدر‏.‏

ويبعد ما روي عن أبي ما أخرجه ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال‏:‏ لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جاءته جهينة فقالوا له‏:‏ إنك قد نزلت بين أظهرنا فأوثق لنا نأمنك وتأمنا قال‏:‏ ولم سألتم هذا‏؟‏ قالوا‏:‏ نطلب الأمن فأنزل الله تعالى هذه الآية ‏{‏لَقَدْ جَاءكُمْ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 128‏]‏ الخ والله تعالى أعلم بحقيقة الحال‏.‏

وقد ذكروا لقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَإِن تَوَلَّوْاْ‏}‏ الآية ما ذكروا من الخواص، وقد أخرج أبو داود عن أبي الدرداء موقوفاً‏.‏ وابن السني عنه قال‏:‏ «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال حين يصبح وحين يمسي حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات كفاه الله تعالى ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة، وأخرج ابن النجار في تاريخه عن الحسين رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ من قال حين يصبح سبع مرات حسبي الله لا إله إلا هو الخ لم يصبه في ذلك اليوم ولا تلك الليلة كرب ولا نكب ولا غرق، وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب قال‏:‏ خرجت سرية إلى أرض الروم فسقط رجل منهم فانكسرت فخذه فلم يستطيعوا أن يحملوه فربطوا فرسه عنده ووضعوا عنده شيئاً من ماء وزاد فلما ولوا أتاه آت فقال له‏:‏ مالك ههنا‏؟‏ قال‏:‏ انكسرت فخذي فتركني أصحابي فقال‏:‏ ضع يدك حيث تجد الألم وقل‏:‏ ‏{‏فَإِن تَوَلَّوْاْ‏}‏ الآية فوضع يده فقرأها فصح وركب فرسه وأدرك أصحابه، وهذه الآية ورد هذا الفقير ولله الحمد منذ سنين نسأل الله تعالى أن يوفق لنا الخير ببركتها إنه خير الموفقين‏.‏

هذا ومن باب الإشارة في الآيات‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 111‏]‏ لما هداهم سبحانه إلى الإيمان العلمي وهم مفتونون بمحبة الأنفس والأموال استنزلهم لغاية عنايته سبحانه بهم عن ذلك بالمعاملة الرابحة بأن أعطاهم بدل ذلك الجنة، ولعل المراد بها جنة النفس ليكون الثمن من جنس المثمن الذي هو مألوفهم ولكن الفرق بين الأمرين، قال ابن عطاء‏:‏ نفسك موضع كل شهوة وبلية ومالك محل كل إثم ومعصية فاشترى مولاك ذلك منك ليزيل ما يضرك ويعوضك عليه ما ينفعك ولهذا اشترى سبحانه النفس ولم يشتر القلب، وقد ذكر بعض الأكابر في ذلك أيضاً أن النفس محل العيب والكريم يرغب في شراء ما يزهد فيه غيره فشراء الله تعالى ذلك مع اطلاعه سبحانه على العيب بالجنة التي لا عيب فيها نهاية الكرم ويرشد إلى ذلك قول القائل‏:‏

ولي كبد مقروحة من يبيعني *** بها كبداً ليست بذات قروح

أباها جميع الناس لا يشترونها *** ومن يشتري ذا علة بصحيح

وعن الجنيد قدس سره قال‏:‏ إنه سبحانه اشترى منك ما هو صفتك وتحت تصرفك والقلب تحت صفته وتصرفه لم تقع المبايعة عليه، ويشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن ‏"‏ وذكر بعض أرباب التأويل أنه تعالى لما اشترى الأنفس منهم فذاقوا بالتجرد عنها حلاوة اليقين ولذة الترك ورجعوا عن مقام لذة النفس وتابوا عن هواها ولم يبق عندهم لجنة النفس التي كانت ثمناً قدر وصفهم بالتائبين فقال سبحانه‏:‏ ‏{‏التائبون‏}‏ أي الراجعون عن طلب ملاذ النفس وتوقع الأجر إليه تعالى وبلفظ آخرهم قوم رجعوا من غير الله إلى الله واستقاموا بالله تعالى مع الله تعالى‏.‏ ‏{‏العابدون‏}‏ أي الخاضعون المتذللون لعظمته وكبريائه تعالى تعظيماً وإجلالاً له جل شأنه لا رغبة في ثواب ولا رهبة من عقاب وهذه أقصى درجات العبادة ويسميها بعضهم عبودة ‏{‏الحامدون‏}‏ بإظهار الكمالات العملية والعلمية حمداً فعلياً حالياً وأقصى مراتب الحمد إظهار العجز عنه‏.‏ يروى أن داود عليه السلام قال‏:‏ يا رب كيف أحمدك والحمد من آلائك فأوحى الله تعالى إليه الآن حمدتني يا داود‏.‏ وما أعلى كلمة نبينا صلى الله عليه وسلم ‏"‏ اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ‏"‏ ‏(‏ السائحون‏)‏ إليه تعالى بالهجرة عن مقام الفطرة ورؤية الكمالات الثابتة لهم في مفاوز الصفات ومنازل السبحات، وقال بعض العارفين‏:‏ السائحون هم السيارون بقلوبهم في الملكوت الطائرون بأجنحة المحبة في هواء الجبروت، وقد يقال‏:‏ هم الذين صاموا عن المألوفات حين عاينوا هلال جماله تعالى في هذه النشأة ولا يفطرون حتى يعاينوه مرة أخرى في النشأة الأخرى، وقد امتثلوا ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏ ‏"‏ صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ‏"‏ ‏{‏الركعون‏}‏ في مقام محو الصفات ‏{‏الساجدون‏}‏ بفناء الذات، وقال بعض العارفين‏:‏ الراكعون هم العاشقون المنحنون من ثقل أوتار المعرفة على باب العظمة ورؤية الهيبة، والساجدون هم الطالبون لقربه سبحانه‏.‏ فقد جاء في الخبر «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» وقد يقال‏:‏ الراكعون الساجدون هم المشاهدون للحبيب السامعون منه، وما أحسن ما قيل‏:‏

لو يسمعون كما سمعت كلامها *** خروا لعزة ركعاً وسجوداً ‏{‏ا

لاْمِرُونَ بالمعروف والناهون عَنِ المنكر‏}‏ أي الداعون الخلق إلى الحق والدافعون لهم عما سواه، فإن المعروف على الإطلاق هو الحق سبحانه والكل بالنسبة إليه عز شأنه منكر ‏{‏والحافظون لِحُدُودِ الله‏}‏ أي المراعون أوامره ونواهيه سبحانه في جوارحهم وأسرارهم وأرواحهم أو الذين حفظوا حدود الله المعلومة فأقاموها على أنفسهم وعلى غيرهم، وقيل‏:‏ هم القائمون في مقام العبودية بعد كشف صفات الربوبية لهم فلا يتجاوزون ذلك وإن حصل لهم ما حصل فهم في مقام التمكين والصحو لا يقولون ما يقوله سكارى المحبة ولا يهيمون في أودية الشطحات‏.‏

وفي الآية نعي على أناس ادعوا الانتظام في سلك حزب الله تعالى وزمرة أوليائه وهم قد ضيعوا الحدود وخرقوا سفينة الشريعة وتكلموا بالكلمات الباطلة عند المسلمين على اختلاف فرقهم حتى عند السادة الصوفية فإنهم أوجبوا حفظ المراتب، وقالوا‏:‏ إن تضييعها زندقة

وقد خالطتهم فرأيت منهم *** خبائث بالمهيمن نستجير

ولعمري إن المؤمن من ينكر على أمثالهم فإياك أن تغتربهم ‏{‏وَبَشّرِ المؤمنين‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 112‏]‏ بالإيمان الحقي المقيمين في مقام الاستقامة واتباع الشريعة ‏{‏مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قربى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصحاب الجحيم‏}‏ ‏[‏113‏]‏ أي ما صح منهم ذلك ولا استقام فإن الوقوف عند القدر من شأن الكاملين‏.‏

ومن هنا قيل‏:‏ لا تؤثر همة العارف بعد كمال عرفانه أي إذا تيقن وقوع كل شيء بقدره تعالى الموافق للحكمة البالغة وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولم يتهم الله سبحانه في شيء من الفعل والترك سكن تحت كهف الأقدار وسلم لمدعي الإرادة وأنصت لمنادي الحكمة وترك مراده لمراد الحبيب بل لا يريد إلا ما يريده، وهو الذي يقتضيه مقام العبودية المحضة الذي هو أعلى المقامات ودون ذلك مقام الإدلال، ولقد كان حضرة مولانا القطب الرباني الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره في هذا المقام وله كلمات تشعر بذلك لكن لم يتوف قدس سره حتى انتقل منه إلى مقام العبودية المحضة كما نقل مولانا عبد الوهاب الشعراني في «الدرر واليواقيت»، وقد ذكر أن هذا المقام كان مقام تلميذه حضرة مولانا أبي السعود الشبلي قدس سره ‏{‏وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً‏}‏ أي ليصفهم بالضلال عن طريق التسليم والانقياد لأمره والرضا بحكمه ‏{‏بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ‏}‏ إلى التوحيد العلمي ورؤية وقوع كل شيء بقضائه وقدره ‏{‏حتى يُبَيّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ‏}‏ أي ما يجب عليهم اتقاؤه في كل مقام من مقامات سلوكهم وكل مرتبة من مراتب وصولهم فإذا بين لهم ذلك فإن أقدموا في بعض المقامات على ما تبين لهم وجوب اتقائه أضلهم لارتكابهم ما هو ضلال في دينهم وإلا فلا ‏{‏أَنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 115‏]‏ فيعلم دقائق ذنوبهم وإن لم يتفطن لها أحد‏.‏

‏{‏لَقَدْ تَابَ الله على النبى والمهاجرين والانصار الذين اتبعوه فِى سَاعَةِ العسرة‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 117‏]‏ لا يخفى أن توبة الله سبحانه على كل من النبي عليه الصلاة والسلام ومن معه بحسب مقامه، وذكر بعضهم أن التوبة إذا نسبت إلى العبد كانت بمعنى الرجوع من الزلات إلى الطاعات وإذا نسبت إلى الله سبحانه كانت بمعنى رجوعه إلى العباد بنعت الوصال وفتح الباب ورفع الحجاب ‏{‏وَعَلَى الثلاثة الذين خُلّفُواْ حتى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الارض بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ‏}‏ وذلك لاستشعار سخط المحبوب ‏{‏وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ الله إِلاَّ إِلَيْهِ‏}‏ أي تحققوا ذلك فانقطعوا إليه سبحانه ورفعوا الوسائط

‏{‏ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 118‏]‏ حيث رأى سبحانه انقطاعهم إليه وتضرعهم بين يديه، وقد جرت عادته تعالى مع أهل محبته إذا صدر منهم ما ينافي مقامهم بأدبهم بنوع من الحجاب حتى إذا ذاقوا طعم الجناية واحتجبوا عن المشاهدة وعراهم ما عراهم مما أنساهم دنياهم وأخراهم أمطر عليهم وابل سحاب الكرم وأشرق على آفاق أسرارهم أنوار القدم فيؤنسهم بعد يأسهم ويمن عليهم بعد قنوطهم ‏{‏وَهُوَ الذى يُنَزّلُ الغيث مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 18‏]‏ ا‏:‏ 82‏)‏، وما أحلى قوله‏:‏

هجروا والهوى وصال وهجر *** هكذا سنت الغرام الملاح

اأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله‏}‏ في جميع الرذائل بالاجتناب عنها ‏{‏وَكُونُواْ مَعَ الصادقين‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 119‏]‏ نية وقولاً وفعلاً أي اتصفوا بما اتصفوا به من الصدق، وقيل‏:‏ خالطوهم لتكونوا مثلهم فكل قرين بالمقارن يقتدى‏.‏

وفسر بعضهم الصادقين بالذين لم يخلفوا الميثاق الأول فإنه أصدق كلمة، وقد يقال‏:‏ الأصل الصدق في عهد الله كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 23‏]‏ ثم في عقد العزيمة ووعد الخليقة كما قال سبحانه في إسماعيل‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ كَانَ صادق الوعد‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 54‏]‏ وإذا روعي الصدق في المواطن كلها كالخاطر والفكر والنية والقول والعمل صدقت المنامات والواردات والأحوال والمقامات والمواهب والمشاهدات فهو أصل شجرة الكمال وبذر ثمرة الأحوال وملاك كل خير وسعادة؛ وضده الكذب فهو أسوأ الرذائل وأقبحها وهو منافي المروءة كما قالوا‏:‏ لا مروءة لكذوب ‏{‏وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ لّيَتَفَقَّهُواْ فِى الدين‏}‏ إشارة إلى أنه يجب على كل مستعد من جماعة سلوك طريق طلب العلم إذ لا يمكن لجميعهم أما ظاهراً فلفوات المصالح وأما باطناً فلعدم الاستعداد للجميع‏.‏

والفقه من علوم القلب‏.‏ وهي إنما تحصل بالتزكية والتصفية وترك المألوفات واتباع الشريعة، فالمراد من النفر السفر المعنوي وهذا هو العلم النافع، وعلامة حصوله عدم خشية أحد سوى الله تعالى، ألا ترى كيف نفى الله عمن خشي غيره سبحانه الفقه فقال‏:‏ ‏{‏لاَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِى صُدُورِهِمْ مّنَ الله ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ‏}‏ ‏[‏الحشر‏:‏ 13‏]‏ وعلى هذا فحق لمثلي أن ينوح على نفسه، وقد صرح بعض الأكابر أن الفقه علم راسخ في القلب، ضاربة عروقه في النفس، ظاهر أثره على الجوارح لا يمكن لصاحبه أن يرتكب خلاف ما يقتضيه إلا إذا غلب القضاء والقدر، وقد أنزل الله تعالى كما قيل على بعض أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام‏:‏ لا تقولوا العلم بالسماء من ينزل به ولا في تخوم الأرض من يصعد به ولا من وراء البحر من يعبر ويأتي به، العلم مجعول في قلوبكم تأدبوا بين يدي بآداب الروحانيين وتخلقوا بأخلاق الصديقين، أظهر العلم من قلوبكم حتى يغمركم ويغطيكم‏.‏

وجاء «من اتقى الله أربعين صباحاً تفجرت ينابع الحكمة من قلبه» وإذا تحققت ذلك علمت أن دعوى قوم اليوم الفقه بالمعنى الذي ذكرناه مع تهافتهم على المعاصي تهافت الفراش على النار وعقدهم الحلقات عليها دعوى كاذبة مصادمة للعقل والنقل وهيهات أن يحصل لهم ذلك الفقه ما داموا على تلك الحال ولو ضربوا رؤوسهم بألف صخرة صماء، وعطف سبحانه قوله‏:‏ ‏{‏وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ‏}‏ على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لّيَتَفَقَّهُواْ‏}‏ إشارة إلى أن الإنذار بعد التفقه والتحلي بالفضائل إذ هو الذي يرجى نفعه‏:‏

ابدأ بنفسك فانهها عن غيها *** فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

فهناك يسمع ما تقول ويقتدي *** بالقول منك وينفع التعليم

ولذا قال جل وعلا‏:‏ ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 122‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَحْذَرُونَ ياأيها الذين ءامَنُواْ قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مّنَ الكفار‏}‏ إشارة إلى الجهاد الأكبر ولعله تعليم لكيفية النفر المطلوب وبيان لطريق تحصيل الفقه أي قاتلوا كفار قوى نفوسكم بمخالفة هواها، وفي الخبر «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك» ‏{‏وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً‏}‏ أي قهراً وشدة حتى تبلغوا درجة التقوى ‏{‏واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 123‏]‏ بالولاية والنصر ‏{‏أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ‏}‏ أي يصيبهم بالبلاء ليتوبوا ‏{‏ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 126‏]‏ وفي الأثر البلاء سوط من سياط الله تعالى يسوق به عباده إليه ويرشد إلى ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كالظلل دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 32‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 12‏]‏ وبالجملة إن البلاء يكسر سورة النفس فيلين القلب فيتوجه إلى مولاه إلا أن من غلبت عليه الشقاوة ذهب منه ذلك الحال إذا صرف عنه البلاء كما يشير إليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 65‏]‏ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إلى ضُرّ مَّسَّهُ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 12‏]‏ ‏{‏لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ‏}‏ أي من جنسكم لتقع الألفة بينكم وبينه فإن الجنس إلى الجنس يميل وحينئذٍ يسهل عليكم الاقتباس من أنواره صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقرىء كما قدمنا ‏{‏مّنْ أَنفُسِكُمْ‏}‏ أي أشرفكم في كل شيء ويكفيه شرفاً أنه عليه الصلاة والسلام أول التعينات وأنه كما وصفه الله تعالى على خلق عظيم‏:‏

وعلى تفنن واصفيه بوصفه *** يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف

‏{‏عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ‏}‏ أي يشق عليه عليه الصلاة والسلام مشقتكم فيتألم صلى الله عليه وسلم لما يؤلمكم كما يتألم الشخص إذا عرا بعض أعضائه مكروه، وعن سهل أنه قال‏:‏ المعنى شديد عليه غفلتكم عن الله تعالى ولو طرفة عين فإن العنت ما يشق ولا شيء أشق في الحقيقة من الغفلة عن المحبوب ‏{‏حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ‏}‏ أي على صلاح شأنكم أو على حضوركم وعدم غفلتكم عن مولاكم جل شأنه ‏{‏بالمؤمنين رَءوفٌ‏}‏ يدفع عنهم ما يؤذيهم

‏{‏رَّحِيمٌ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 128‏]‏ يجلب لهم ما ينفعهم، ومن آثار الرأفة تحذيرهم من الذنوب والمعاصي ومن آثار الرحمة إضافته صلى الله عليه وسلم عليهم العلوم والمعارف والكمالات، قال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه‏:‏ علم الله تعالى عجز خلقه عن طاعته فعرفهم ذلك لكي يعلموا أنهم لا ينالون الصفو من خدمته فأقام سبحانه بينه وبينهم مخلوقاً من جنسهم في الصورة فقال‏:‏ ‏{‏لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ‏}‏ وألبسه من نعته الرأفة الرحمة وأخرجه إلى الخلق سفيراً صادقاً وجعل طاعته طاعته وموافقته موافقته فقال سبحانه‏:‏ ‏{‏مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 80‏]‏ ثم أفرده لنفسه خاصة وآواه إليه بشهوده عليه في جميع أنفاسه وسلى قلبه عن إعراضهم عن متابعته بقوله جل شأنه‏:‏ ‏{‏فَإِن تَوَلَّوْاْ‏}‏ وأعرضوا عن قبول ما أنت عليه لعدم الاستعداد وزواله ‏{‏فَقُلْ حَسْبِىَ الله‏}‏ لا حاجة لي بكم كما لا حاجة للإنسان إلى العضو المتعفن الذي يجب قطعه عقلاً فالله تعالى كافي ‏{‏لاَ إله إِلاَّ هُوَ‏}‏ فلا مؤثر غيره ولا ناصر سواه ‏{‏عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ‏}‏ لا على غيره من جميع المخلوقات إذ لا أرى لأحد منهم فعلاً ولا حول ولا قوة إلا بالله ‏{‏وَهُوَ رَبُّ العرش العظيم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 129‏]‏ المحيط بكل شيء، وقد ألبسه سبحانه أنوار عظمته وقواه على حمل تجلياته ولولا ذلك لذاب بأقل من لمحة عين، وإذا قرىء ‏{‏العظيم‏}‏ بالرفع فهو صفة للرب سبحانه، وعظمته جل جلاله مما لا نهاية لها وما قدروا الله حق قدره نسأله بجلاله وعظمته أن يوفقنا لا تمام تفسير كتابه حسبما يحب ويرضى فلا إله غيره ولا يرجى إلا خيره‏.‏

‏[‏سورة يونس‏]‏

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ‏(‏1‏)‏‏}‏

‏{‏بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم الر‏}‏ بتفخيم الراء المفتوحة وهو الأصل وأمال أبو عمرو وبعض القراء إجراء لألف الراء مجرى الألف المنقلبة عن الياء فإنهم يميلونها تنبيهاً على أصلها، وفي الإمالة هنا دفع توهم أن را حرف كما ولا فقد صرحوا أن الحروف يمتنع فيها الإمالة، وقرأ ورش بين بين، والمراد من ‏{‏الر‏}‏ على ما روى جماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنا الله أرى، وفي رواية أخرى لنها بعض الرحمن وتمامه حم ون، وعن قتادة أنها بعض الراحم وهو من أسماء القرآن، وقيل‏:‏ هي أسماء للأحرف المعلومة من حروف التهجي أتى بها مسرودة على نمط التعديد بطريق التحدي وعليه فلا محل لها من الإعراب، والكلام فيها وفي نظائرها شهير‏.‏

والأكثرون على أنها اسم للسورة فمحلها الرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف أي هذه السورة مسماة بكذا وهو أظهر من الرفع على الابتداء لعدم سبق العلم بالتسمية بعد فحقها الإخبار بها لا جعلها عنوان الموضوع لتوقفه على علم المخاطب بالانتساب، والإشارة إليها قبل جريان ذكرها لصيرورتها في حكم الحاضر لاعتبار كونها على جناح الذكر كما يقال في الصكوك‏:‏ هذا ما اشترى فلان، وجوز النصب بتقدير فعل لائق بالمقام كاذكر واقرأ وكلمة ‏{‏تِلْكَ‏}‏ إشارة إليها أما على تقدير كون ‏{‏الر‏}‏ مسروداً على نمط التعديد فقد نزل حضور مادتها منزلة ذكرها فأشير إليها كأنه قيل‏:‏ هذه الكلمات المؤلفة من جنس هذه الحروف المبسوطة الخ، وأما على تقدير كونها اسماً للسورة فقد نوهت بازشارة إليها بعد تنويهها بتعيين اسمها أو الأمر بذكرها أو بقراءتها‏.‏ وما في اسم الإشارة من معنى البعد للتنبيه على بعد منزلتها في الفخامة ومحله الرفع على أنه مبتدأ خبره قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏الكتاب الحكيم‏}‏ وعلى تقدير كون ‏{‏الر‏}‏ مبتدأ فهو إما مبتدأ ثان أو بدل من الأول، والمعنى هي آيات مخصوصة منه مترجمة باسم مستقل، والمقصود ببيان بعضيتها منه وصفيتها بما أشير إلى اتصافه به من النعوت الفاضلة والصفات الكاملة، والمراد بالكتاب إما جميع القرآن العظيم وإن لم ينزل بعد إما باعتبار تعينه وتحققه في العلم أو في اللوح أو باعتبار نزوله جملة إلى بيت العزة من السماء الدنيا وإما جميع القررن النازل وقتئذٍ المتفاهم بين الناس إذ ذاك فإنه كما يطلق على المجموع الشخصي يطلق على مجموع ما نزل في كل كذا قال شيخ الإسلام‏.‏

وأنت تعلم أن المشهور عن السلف تفويض معنى ‏{‏الر‏}‏ وأمثاله إلى الله تعالى وحيث لم يظهر المراد منها لا معنى للتعرض لإعرابها، وقد ذكروا أنه يجوز في الإشارة أن تكون لآيات هذه السورة وأن تكون لآيات القرآن ويجوز في الكتاب أن يراد به السورة وأن يراد القرآن فتكون الصور أربعاً‏.‏

إحداها‏:‏ الإشارة إلى آيات القرآن والكتاب بمعنى السورة ولا يصح إلا بتخصيص آيات أو تأويل بعيد‏.‏ وثانيها‏:‏ عكسه ولا محذور فيه‏.‏ وثالثها‏:‏ الإشارة إلى آيات السورة والكتاب بمعنى السورة‏.‏ ورابعها‏:‏ ازشارة إلى آيات القررن والكتاب بمعنى القرآن، ومرجع إفادة الكلام عليهما باعتبار صفة الكتاب الآتية، وجوز الإشارة إلى الآيات لكونها في حكم الحاضر وإن لم تذكر كما في المثال المذكور آنفاً‏.‏ وفي «أمالي ابن الحاجب» أن المشار إليه لا يشترط أن يكون موجوداً حاضراً بل يكفي أن يكون موجوداً ذهناً‏.‏ وفي «الكشاف» في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هذا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 78‏]‏ ما يؤيديه، وأوثر لفظ تلك لما أشار إليه الشيخ ولكونه في حكم الغائب من وجه ولا يخلو ما ذكروه عن دغدغة، وأما حمل الكتاب على الكتب التي خلت قبل القرآن من التوراة والإنجيل وغيرهما كما أخرجه ابن أبي حاتم عن قتادة فهو في غاية البعد فتأمل، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الحكيم‏}‏ صفة للكتاب ووصف بذلك لاشتماله على الحكم فيراد بالحكيم ذو الحكمة على أنه للنسبة كلابن وتامر، وقد يعتبر تشبيه الكتاب بإنسان ناطق بالحكمة على طريق الاستعارة بالكناية وإثبات الحكمة قرينة لها، وجوز أن يكون وصفه بذلك لأنه كلام حكيم فالمعنى حكيم قائله فالتجوز في الإسناد كليله قائم ونهاره صائم، وقيل‏:‏ لأن آياته محكمة لم ينسخ منها شيء أي بكتاب آخر ففعيل بمعنى مفعل وقد تقدم ماله وما عليه ‏{‏أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا‏}‏ الهمزة لإنكار تعجبهم ولتعجيب السامعين منه لوقوعه في غير محله، والمراد بالناس كفار العرب، والتعبير عنهم باسم الجنس من غير تعرض لكفرهم الذي هو المدار لتعجبهم كما تعرض له فيما بعد لتحقيق ما فيه من الشركة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم وتعيين مدار التعجيب في زعمهم ثم تبيين خطئهم وإظهار بطلان زعمهم بإيراد الإنكار، واللام متعلقة بمحذوف وقع حالاً من ‏{‏عَجَبًا‏}‏ كما هو القاعدة في نعت النكرة إذا تقدم عليها، وقيل‏:‏ متعلقة بعجباً بناءً على التوسع المشهور في الظروف، وبعضهم جعلها متعلقة به لا على طريق المفعولية كما في قوله‏:‏

عجبت لسعي الدهر بيني وبينها

بل على طريق التبيين كما في ‏{‏هَيْتَ لَكَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 32‏]‏ وسقياً لك ومثل ذلك يجوز تقديمه على المصدر‏.‏ وأنت تعلم أن هذا قول بالتعلق بمقدر في التحقيق، وقيل‏:‏ إنها متعلقة به لأنه بمعنى المعجب والمصدر إذا كان بمعنى مفعول أو فاعل يجوز تقديم معموله عليه، وجوز أيضاً تعلقه بكان وإن كانت ناقصة بناءً على جوازه، و‏{‏عَجَبًا‏}‏ خبر كان قدم على اسمها وهو قوله سبحانه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏أكَانَ للنَّاسِ عَجَباً‏}‏ الهمزة لإنكار تعجبهم ولتعجيب السامعين منه لوقوعه في غير محله، والمراد بالناس كفار العرب، والتعبير عنهم باسم الجنس من غير تعرض لكفرهم الذي هو المدار لتعجبهم كما تعرض له فيما بعد لتحقيق ما فيه من الشركة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم وتعيين مدار التعجيب في زعمهم ثم تبيين خطئهم وإظهار بطلان زعمهم بإيراد الإنكار، واللام متعلقة بمحذوف وقع حالاً من ‏{‏عجباً‏}‏ كما هو القاعدة في نعت النكرة إذا تقدم عليها، وقيل‏:‏ متعلقة بعجباً بناء على التوسع المشهور في الظروف، وبعضهم جعلها متعلقة به لا على طريق المفعولية كما قي قوله‏:‏

عجبت لسعي الدهر بيني وبينها *** بل على طريق التبيين كما في ‏{‏هيت لك‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 23‏]‏ وسقياً لك ومثل ذلك يجوز تقديمه على المصدر، وأنت تعلم أن هذا قول بالتعلق بمقدر في التحقيق، وقيل‏:‏ إنها متعلقة به لأنه بمعنى المعجب والمصدر إذا كان بمعنى مفعول أو فاعل يجوز تقديم معمولة عليه، وجوز أيضاً تعلقه بكان وإن كانت ناقصة بناء على جوازه، و‏{‏عجباً‏}‏ خبر ‏{‏كان‏}‏ قدم على اسمها وهو قوله سبحانه‏:‏ أَنْ أَوْحَيْنَا‏}‏ لكونه مصب الإنكار والتعجيب وتشويقاً إلى المؤخر ولأن في الاسم ضرب تفصيل ففي تقديمه رعاية للأصل نوع إخلال بتجاوب أطراف النظم الكريم‏.‏ وقرأ ابن مسعود ‏{‏عجب‏}‏ بالرفع على أنه اسم كان وهو نكرة والخبر ‏{‏عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا‏}‏ وهو معرفة لأن أن مع الفعل في تأويل المصدر المضاف إلى المعرفة فهو كقول حسان‏:‏

كأن سبيئة من بيت رأس *** يكون مزاجها عسل وماء

وحمله بعضهم على القلب، وفي قبوله مطلقاً أو إذا تضمن لطيفة خلاف والمعول عليه اشتراط التضمن وهو غير ظاهر هنا، وحكى عن ابن جني أنه قال‏:‏ إنما جاز ذلك في البيت من حيث كان عسل وماء جنسين فكأنه قال‏:‏ يكون مزاجها العسل والماء، ونكرة الجنس تفيد مفاد معرفته، ألا ترى أنك تقول‏:‏ خرجت فإذا أسد بالباب أي فإذا الأسد بالباب لا فرق بينهما لأنك في الموضعين لا تريد أسداً معيناً، ولهذا لم يجز هذا في قولك‏:‏ كان قائم أخاك وكان جالس أباك لأنه ليس في جالس وقائم معنى الجنسية التي تتلاقى معنى نكرتها ومعرفتها‏.‏

ومعنى الآية على هذا كان الوحي للناس هذا الجنس من الفعل وهو التعجب، ولا يخفى أن المصدر المتحصل هو المصدر المضاف إلى المعرفة كما سمعت فاعتباره محلى بأل الجنسية خلاف الظاهر‏.‏ وأجاز بعضهم الإخبار عن المعرفة بالنكرة في باب النواسخ خاصة سواء كان هناك نفي أو ما في حكمه أم لا‏.‏

وابن جني يجوز ذلك إذا كان نفي أو ما في حكمه ولا يجوز إذا لم يكن، وفي الآية قد تقدم الاستفهام الإنكاري على الناسخ وهو في حكم النفي‏.‏ واختار غير واحد كون كان تامة‏.‏ و‏{‏عجب‏}‏ فاعل لها و‏{‏عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا‏}‏ بتقدير حرف جر متعلق بعجب أي لأن أوحينا أو من أن أوحينا أو هو بدل منه بدل كل من كل أو بدل اشتمال، والإنكار متوجه إلى كونه عجباً لا إلى حدوثه وكون الإبدال في حكم تنحية المبدل منه ليس معناه إهداره بالمرة كما تقرر في موضعه، واقتصر في اللوامح على أن ‏{‏لِلنَّاسِ‏}‏ خبر كان، وتعقب بأنه ركيك معنى لأنه يفيد إنكار صدوره من الناس لا مطلقاً وفيه ركاكة ظاهرة فافهم، وإنما قيل‏:‏ للناس لا عند الناس للدلالة على أنهم اتخذوه أعجوبة لهم وفيه من زيادة تقبيح حالهم ما لا يخفى ‏{‏إلى رَجُلٍ مّنْهُمْ‏}‏ أي إلى بشر من جنسهم كقوله تعالى حكاية‏:‏ ‏{‏أَبَعَثَ الله بَشَرًا رَّسُولاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 94‏]‏ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لَوْ شَاء رَبُّنَا لاَنزَلَ ملائكة‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 14‏]‏ أو إلى رجل من أفناء رجالهم من حيث المال لا من حيث النسب لأنه صلى الله عليه وسلم كان من مشاهيرهم فيه وكان منه بمكان لا يدفع فهو كقولهم‏:‏ ‏{‏لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 31‏]‏ وفي بعض الآثار أنهم كانوا يقولون‏:‏ العجب أن الله تعالى لم يجد رسولاً يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب والعجب من فرط جهلهم أما في قولهم الأول فحيث لم يعلموا أن بعث الملك إنما يكون عند كون المبعوث إليهم ملائكة كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏قُل لَوْ كَانَ فِى الارض ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ السماء مَلَكًا رَّسُولاً‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 95‏]‏ وأما عامة البشر فبمعزل عن استحقاق مفاوضة الملائكة لأنها منوطة بالتناسب فبعث الملك إليهم مزاحم للحكمة التي عليها يدور فلك التكوين والتشريع وإنما الذي تقتضيه الحكمة بعث الملك من بينهم إلى الخواص المختصين بالنفوس الزكية المؤيدين بالقوة القدسية المتعلقين بكلا العالمين الروحاني والجسماني ليتأتى لهم الاستفاضة والإفاضة وهذا تابع للاستعداد الأزلي كما لا يخفى، وأما في قولهم الثاني فلان مناط الاصطفاء للإيحاء إلى شخص هو التقدم في الاتصاف بما علمت والسبق في إحراز الفضائل وحيازة الملكات السنية جبلة واكتساباً، ولا ريب لأحد في أن للنبي صلى الله عليه وسلم القدح المعلى من ذلك بل له عليه الصلاة والسلام فيه غاية الغايات القاصية ونهاية النهايات النائية يقول رائيه‏:‏

وأحسن منك لم تر قط عيني *** ومثلك قط لم تلد النساء

خلقت مبرأ من كل عيب *** كأنك قد خلقت كما تشاء

وكذا يقول‏:‏

ولو صورت نفسك لم تزدها *** على ما فيك من كرم الطباع

وأما التقدم في الرياسة الدنيوية والسبق في نيل الحظوظ الدنية فلا دخل له في ذلك قطعاً بل له إخلال به غالباً، وما أحسن قول الشافعي رضي الله تعالى عنه من أبيات‏:‏

لكن من رزق الحجا حرم الغنى *** ضدان مفترقان أي تفرق

وما ذكروه من اليتم أن رجع إلى ما في الآية على التوجيه الثاني فبطلانه بطلانه وإن أرادوا أن أصل اليتم مانع من الإيحاء إليه صلى الله عليه وسلم فهو أظهر بطلاناً وأوضح هذياناً وما ألطف ما قيل إن أنفس الدر يتيمه، وقيل للحسن‏:‏ لم جعل الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم يتيماً‏؟‏ فقال‏:‏ لئلا يكون لمخلوق عليه منة فإن الله سبحانه هو الذي آواه وأدبه ورباه صلى الله عليه وسلم هذا والوجه الثاني من الوجهين السابقين في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إلى رَجُلٍ مّنْهُمْ‏}‏ على الوجه الذي ذكرناه هو الذي أراده صاحب الكشاف ولم يرتضه الجلال السيوطي وزعم أن التحامي عنه أولى، ثم قال‏:‏ والذي عندي في تفسير ذلك أن المراد إلى مشهور بينهم يعرفون نسبه وجلالته وأمانته وعفته كما قال سبحانه‏:‏ في آخر السورة التي قبل ‏{‏لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 128‏]‏ فإن هذا هو محل إنكار العجب ويكون هذا وجه مناسبة وضع هذه السورة بعد تلك واعتلاق أول هذه بآخر تلك، ونظيره ‏{‏وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 113‏]‏ ‏{‏رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 129‏]‏ إلى آخر ما قال، وتعقب بأنه غير ظاهر لأنه وإن كان أعظم مما ذكر لكن السياق يقتضي بيان كفرهم وتذليلهم وتحقير من أعزه الله تعالى وعظمه والذي يقتضيه سبب النزول تعين الوجه الأول هنا‏.‏ فقد أخرج ابن جرير‏.‏ وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال‏:‏ لما بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً أنكرت العرب ذلك أو من أنكر منهم فقالوا‏:‏ الله تعالى أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد عليه الصلاة والسلام فأنزل سبحانه ‏{‏أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إلى رَجُلٍ مّنْهُمْ‏}‏ الآية، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 43‏]‏ الآية‏.‏

فلما كرر الله سبحانه عليهم الحجج قالوا‏:‏ وإذا كان بشراً فغير محمد صلى الله عليه وسلم كان أحق بالرسالة فلولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم فأنزل الله تعالى رداً عليهم ‏{‏أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 32‏]‏ الآية ومنه يعلم أن ما حكى في الوجه الثاني سبب لنزول آية أخرى ‏{‏أَنْ أَنذِرِ الناس‏}‏ أي أخبرهم بما فيه تخويف لهم مما يترتب على فعل ما لا ينبغي، والمراد به جميع الناس الذين يمكنه عليه الصلاة والسلام تبليغهم ذلك لا ما أريد بالناس أولاً وهو النكتة في إيثار الإظهار على الإضمار، وكون الثاني عين الأول عند إعادة المعرفة ليس على الإطلاق، و‏{‏ءانٍ‏}‏ هي المفسرة لمفعول الإيحاء المقدر وقد تقدم عليها ما فيه معنى القول دون حروفه وهو الإيحاء أو هي المخففة من المثقلة على أن اسمها ضمير الشأن، والجملة الأمرية خبرها وفي وقوعها خبر ضمير الشأن دون تأويل وتقدير قول اختلاف، فذهب صاحب الكشف إلى أنه لا يحتاج إلى ذلك لأن المقصود منها التفسير وخالفه غير واحد في ذلك وذهبوا إلى أنه لا فرق بين خبره وخبر غيره‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ هي المصدرية الخفيفة في الوضع بناءً على أنها توصل بالأمر والنهي والكثير على المنع، وذكر أبو حيان هذا الاحتمال هنا مع أنه نقل عنه في «المغني» أن مذهبه المنع لما أنه يفوت معنى الأمر إذا سبك بالمصدر‏.‏

واعترض بأنه يفوت معنى المضي والحالية والاستقبال المقصود أيضاً مع الاتفاق على جواز وصلها بما يدل على ذلك، وأجيب بأنه قد يقال‏:‏ بأن بينهما فرقاً فإن المصدر يدل على الزمان التزاماً فقد تنصب عليه قرينة فلا يفوت معناه بالكلية بخلاف الأمر والنهي فإنه لا دلالة للمصدر عليهما أصلاً‏.‏ وقال بعض المدققين‏:‏ إن المصدر كما يجوز أخذه من جوهر الكلمة يجوز أخذه من الهيئة وما يتبعها فيقدر في هذا ونحوه أوحينا إليه الأمر بالإنذار كما قدر في أن لا تزني خير عدم الزنا خير، ولا يخفى أن هذا البحث يجري في أن المخففة من الثقيلة لأنها مصدرية أيضاً وأن أقل الاحتمالات مؤنة احتمال التفسير ‏{‏وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ‏}‏ بما أوحيناه إليك وصدقوه ‏{‏أَنَّ لَهُمْ‏}‏ أي بأن لهم ‏{‏قَدَمَ صِدْقٍ‏}‏ أي سابقة ومنزلة رفيعة ‏{‏عِندَ رَبّهِمْ‏}‏ وأصل القدم العضو المخصوص، وأطلقت على السبق مجازاً مرسلاً لكونها سببه وآلته وأريد من السبق الفضل والشرف والتقدم المعنوي إلى المنازل الرفيعة مجازاً أيضاً فالمجاز هنا بمرتبتين، وقيل‏:‏ المراد تقدمهم على غيرهم في دخول الجنة لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ‏"‏ وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إن الجنة محرمة على الأنبياء حتى أدخلها أنا وعلى الأمم حتى تدخلها أمتي ‏"‏ وقيل‏:‏ تقدمهم في البعث وأصل الصدق ما يكون في الأقوال ويستعمل كما قال الراغب في الأفعال فيقال‏:‏ صدق في القتال إذا وفاه حقه وكذا في ضده يقال‏:‏ كذب فيه فيعبر به عن كل فعل فاضل ظاهراً وباطناً ويضاف إليه كمقعد صدق ومدخل صدق ومخرج صدق إلى غير ذلك، وصرحوا هنا بأن الإضافة من إضافة الموصوف إلى صفته، والأصل قدم صدق أي محققة مقررة، وفيه مبالغة لجعلها عين الصدق ثم جعل الصدق كأنه صاحبها، ويحتمل أن تكون الإضافة من إضافة المسبب إلى السبب وفي ذلك تنبيه على أن ما نالوه من المنازل الرفيعة كان بسبب صدق القول والنية‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ إن هذا التنبيه قد يحصل على الاعتبار الأول لأن الصدق قد تجوز به عن توفية الأمور الفاضلة حقها للزوم الصدق لها حتى كأنها لا توجد بدونه ويكفي مثله في ذلك التنبيه وهذا كما قالوا‏:‏ أن أبا لهب يشير إلى أنه جهنمي وفيه خفاء كما لا يخفى‏.‏ ويجوز إلى يراد بالقدم المقام بإطلاق الحال وإرادة المحل، وعن الأزهري أن القدم الشيء الذي تقدمه قدامك ليكون عدة لك حين تقدم عليه ويشعر بأنه اسم مفعول وبه صرح بعضهم وقال إنه كالنقض، وقيل‏:‏ إنه اسم للحسنى من العبد كما أن اليد اسم للحسنى من السيد وفعلوا ذلك للفرق بين العبد والسيد وهو من الغرابة بمكان، ولا يكاد يصح في قول ذي الرمة‏:‏

لكم قدم لا ينكر الناس أنها *** مع الحسب العادي طمت على البحر

وقوله‏:‏

وأنت امرؤ من أهل بيت ذؤابة *** لهم قدم معروفة في المفاخر

والسبق هو الأسبق إلى الذهن في ذلك وكذا في قول حسان‏:‏

لنا القدم العليا إليك وخلفنا *** لأولنا في طاعة الله تابع

وقول الآخر‏:‏

صل لذي العرض واتخذ قدما *** تنجيك يوم العثار والزلل

محتمل لسائر المعاني وهل يطلق على سابقة السوء أولاً الظاهر الأول وقد نص على ذلك أبو عبيدة‏.‏ والكسائي‏.‏

وقال صاحب الانتصاف لم يسموا سابقة السوء قدماً إما لكون المجاز لا يطرد وإما لأنه غلب في العرف على سابقة الخير وفيه نظر، وتفسير ابن عباس رضي الله تعالى عنهما له بالأجر وابن مسعود بالعمل لا يخرج عما ذكرنا من معانيه، وكذا تفسير علي كرم الله تعالى وجهه‏.‏ وأبي سعيد الخدري‏.‏ والحسن‏.‏ وزيد بن أسلم له برأس الموجودات محمد صلى الله عليه وسلم يرجع إلى تفسيره بالخير والسعادة كما قاله جمع، وكونه صلى الله عليه وسلم خيراً وسعادة للمؤمنين ما لا يمتري فيه مؤمن، أو يقال‏:‏ إن المراد شفاعته صلى الله عليه وسلم والأمر في ذلك حينئذٍ في غاية الظهور وخص التبشير بالمؤمنين لأنه لا يتعلق بالكفار وتبشيرهم أن آمنوا راجع إلى تبشير المؤمنين وهذا بخلاف الإنذار فإنه يتعلق بالمؤمن والكافر ولذلك ذكره سبحانه ولم يذكر جل وعلا المنذر به للتعميم والتهويل، وذكر المبشر به على الوجه الذي ذكره لتقوى رغبة المؤمنين فيما يؤديهم إليه، وقدم الإنذار على التبشير لأن التخلية مقدمة على التحلية وإزالة ما لا ينبغي مقدمة في الرتبة على فعل ما ينبغي‏.‏

‏{‏قَالَ الكافرون‏}‏ هم المتعجبون وإيرادهم بهذا العنوان على بابه، وترك العاطف لجريانه مجرى البيان للجملة التي دخل عليها همزة الإنكار أو لكونه استئنافاً مبنياً على السؤال كأنه قيل‏:‏ ماذا صنعوا بعد التعجب هل بقوا على التردد والاستبعاد أو قطعوا فيه بشيء‏؟‏ فقيل‏:‏ قال الكافرون على طريقة التأكيد ‏{‏إِنَّ هَذَا‏}‏ أي ما أوحى إليه صلى الله عليه وسلم من الكتاب المنطوي على الإنذار والتبشير، وزعم الخازن أن في الكلام حذفاً أي أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر وبشر فلما جاءهم بالوحي وأنذرهم قال الكافرون إن هذا ‏{‏لَسِحْرٌ مُّبِينٌ‏}‏ أي ظاهر‏.‏

وقرأ ابن كثير‏.‏ والكوفيون ‏{‏لساحر‏}‏ على أن الإشارة إلى رجل وعنوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي قراءة أبي ‏{‏مَا هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ‏}‏ وأرادوا بالسحر الحاصل بالمصدر، وفي هذا اعتراف بأن ما عاينوه خارج عن طوق البشر نازل من حضرة خلاق القوى والقدر ولكنهم يسمونه بما قالوا تمادياً في العناد كما هو شنشنة المكابر اللجوج ونشنشة المفحم المحجوج‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ رَبَّكُمُ‏}‏ استئناف سيق لإظهار بطلان تعجبهم المذكور وما تبعه من تلك المقالة الباطلة غب الإشارة إليه بالإنكار والتعجيب وحقق فيه حقية ما تعجبوا منه وصحة ما أنكروه بالتنبيه الإجمال على بعض ما يدل عليها من شؤون الخلق والتقدير وأحوال التكوين والتدبير ويرشدهم إلى معرفتها بأدنى تذكير لاعترافهم به من غير نكير كما يعرب عنه غير ما آية في الكتاب الكريم، والتأكيد لمزيد الاعتناء بمضمون الجملة على ما هو الظاهر أي أن ربكم ومالك أمركم الذي تعجبون من أن يرسل إليكم رجلاً منكم بالإنذار والتبشير وتعدون ما أوحى إليه من الكتاب سحراً هو ‏{‏الله الذى خَلَقَ السموات والارض *فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ‏}‏ أي أوقات فالمراد من اليوم معناه اللغوي وهو مطلق الوقت‏.‏ وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن تلك الأيام من أيام الآخرة التي يوم منها كألف سنة مما تعدون، وقيل‏:‏ هي مقدار ستة أيام من أيام الدنيا وهو الأنسب بالمقام لما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة بخلق هذه الأجرام العظيمة في مثل تلك المدة اليسيرة ولأنه تعريف لنا بما نعرفه، ولا يمكن أن يراد باليوم اليوم المعروف لأنه كما قيل عبارة عن كون الشمس فوق الأرض وهو مما لا يتصور تحققه حين لا أرض ولا سماء، واليوم بهذا المعنى يسمى النهار المفرد، ويطلق اليوم أيضاً على مجموع ذلك النهار وليلته ومقدار ذلك حينئذٍ ممكن الإرادة هنا أيضاً‏.‏ وقد صرح بعض الأكابر بأن المراد بالسموات ما عدا المحدد وأن اليوم هنا عبارة عن مدة دورة تامة له، ولا يخفى أن اليوم اللغوي يتناول هذا أيضاً إلا أن إرادته كإرادة مقدار مجموع النهار وليلته يحتاج إلى نقل وليس ذلك أمراً معروفاً عند المخاطبين ليستغني عن النقل على أن القول به يدور على كون المحدد متحركاً بالحركة الوضعية ويحتاج ذلك إلى النقل أيضاً، وكذا يدور على كون المحدد خارجاً عن السموات المخلوقة في الأيام الست لكن ذلك لا يضر إذ الآيات والأخبار شاهدة بالخروج كما لا يخفى، وفي خلقها مدرجاً مع القدرة التامة على إبداعها في طرفة عين اعتبار للنظار وحث لهم على التأني في الأحوال والأطوار، وفيه أيضاً على ما صرح به بعض المحققين دليل على الاختيار، وأما تخصيص ذلك بالعدد المعين فقد قيل‏:‏ إنه أمر قد استأثر بعلم ما يستدعيه علام الغيوب جلت قدرته ودقت حكمته‏.‏ وقيل‏:‏ إنه سبحانه جعل لكل من خلق مواد السموات وصورها وربط بعضها ببعض وخلق مادة الأرض وصورتها وربط إحداهما بالأخرى وقتاً فلذا صارت الأوقات ستاً وفيه تأمل، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الدخان تحقيق هذا المطلب على وجه ينكشف به الغبار عن بصائر الناظرين‏.‏

وإيثار جمع السموات لما هو المشهور من الإيذان بأنها اجرام مختلفة الطباع متباينة الآثار والأحكام، وتقديمها على الأرض إما لأنها أعظم منها خلقاً أو لأنها جارية مجرى الماعل والأرض جارية مجرى القابل على ما بين في موضعه، وتقديم الأرض عليها في آية طه لكونها أقرب إلى الحس وأظهر عنده وسيأتي أيضاً تحقيقه هناك إن شاء الله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ استوى عَلَى العرش‏}‏ على المعنى الذي أراده سبحانه وكف الكيف مشلولة، وقيل‏:‏ الاستواء على العرش مجاز عن الملك والسلطان متفرع عن الكناية فيمن يجوز عليه القعود على السرير يقال‏:‏ استوى فلان على سرير الملك ويراد منه ملك وإن لم يقعد على السرير أصلاً؛ وقيل‏:‏ إن الاستواء بمعنى الاستيلاء وأرجعوه إلى صفة القدرة‏.‏ وأنت تعلم أن هذا وأمثاله من المتشابه وللناس فيه مذاهب وما أشرنا إليه هو الذي عليه أكثر سلفة الأمة رضي الله تعالى عنهم، وقد صرح بعض أن الاستواء صفة غير الثمانية لا يعلم ما هي إلا من هي له والعجز عن درك الإدراك إدارك، واختار كثير من الخلف أن المراد بذلك الملك والسلطان وذكره لبيان جلالة ملكه وسلطانه سبحانه بعد بيان عظمة شأنه وسعة قدرته بما مر من خلق هاتيك الإجرام العظيمة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يُدَبّرُ الامر‏}‏ استئناف لبيان حكمة استوائه جل وعلا على العرش وتقرير عظمته، والتدبير في اللغة النظر في أدبار الأمور وعواقبها لتقع على الوجه المحمود والمراد به هنا التقدير الجاري على وفق الحكمة والوجه الأتم الأكمل‏.‏ وأخرج أبو الشيخ وغيره عن مجاهد أن المعنى يقضي الأمر والمراد بالأمر أمر الكائنات علويها وسفليها حتى العرش فأل فيه للعهد أي يقدر أمر ذلك كله على الوجه الفائق، والنمط اللائق حسبما تقتضيه المصلحة وتستدعيه الحكمة ويدخل فيما ذكر ما تعجبوا منه دخولاً ظاهراً، وزعم بعضهم أن المعنى يدبر ذلك على ما اقتضته حكمته ويهيء أسبابه بسبب تحريك العرش وهو فلك الإفلاك عندهم وبحركته يحرك غيره من الأفلاك الممثلة وغيرها لقوة نفسه، وقيل‏:‏ لأن الكل في جوفه فيلزم من حركته حركته لزوم حركة المظروف لحركة الظرف وهو مبني على أن الظرف مكان طبيعي للمظروف وإلا ففيه نظر‏.‏ وأنت تعلم أن مثل هذا الزعم على ما فيه مما لا يقبله الحدثون وسلف الأمة إذ لا يشهد له الكتاب ولا السنة وحينئذ فلا يفتى به وإن حكم القاضي، وجوز في الجملة أن تكون في محل النصب على أنها حال من ضمير ‏{‏استوى‏}‏ وأن تكون في محل الرفع على أنها خبر ثان لأن، وعلى كل حال فايثار صيغة المضارع للدلالة على تجدد التدبير واستمراره منه تاعلى، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ‏}‏ بيان لاستبداده تعالى في التدبير والتقدير ونفي للشفاعة على أبلغ وجه فإن نفي جميع أفراد الشفيع بمن الاستغراقية يستلزم نفي الشفاعة على أتم الوجوه، فلا حاجة إلى أن يقال‏:‏ التقدير ما من شفاعة لشفيع، وفي ذلك أيضاً تقرير لعظمته سبحانه إثر تقرير، والاستثناء مفرغ من أعم الأوقات أي ما من شفيع يشفع لأحد في وقت من الأوقات إلا بعد إذنه تعالى المبني على الحكمة الباهرة وذلك عند كون الشفيع من المصطفين الأخيار والمشفوع له ممن يليق بالشفاعة‏.‏

وذهب القاضي إلى أن فيه رداً على من زعم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله تعالى‏.‏

وتعقب بأنه غير تام لأنهم لما ادعوا شفاعتها فقد يدعون الإذن لها فكيف يتم هذا الرد ولا دلالة في الآية على أنهم لا يؤذن لهم، وما قيل‏:‏ إنها دعوى غير مسلمة واحتمالها غير مجد لا فائدة فيه إلا أن يقال‏:‏ مراده أن الأصنام لا تدلاك ولا تنطق فكونها ليس من شأنها أن يؤذن لها بديعي، وقوله عز شأنه‏:‏ ‏{‏ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ‏}‏ استئناف لزيادة التقرير والمبالغة في التذكير ولتفريع الأمر بالعبادة بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فاعبدوه‏}‏ والإشارة إلى الذات الموصوف بتلك الصفات المقتضية لاستحقاق ما أخب به عنه وهو الله وربكم فانهما خبران لذلكم، وحيث كان وجه ثبوت ذلك له ما ذكر مما لا يوجد في غيره اقتضى انحصاره فيه وأفاد أن لا رب غيره ولا معبود سواه، ويجوز أن يكون الاسم الجليل نعتاً لاسم الإشارة و‏{‏رَبُّكُمْ‏}‏ خبره وان يكون هو الخبر و‏{‏رَبُّكُمْ‏}‏ بيان له أو بدل منه ولا يخلو الكلام من إفادة الانحصار، وإذا فرع الأمر المذكور على ذلك أفاد الأمر بعبادته سبحانه وحده، أي فاعبدوه سبحانه من غير أن تشركوا به شيئاً من ملك أو نبي فضلاً غن جماد لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع، وليس الداعي لهذا الحمل أن أصل العبادة ثابت لهم فيحمل الأمر بها على ذلك ليفيد لما قيل‏:‏ من أن الخطاب للمشركين ولا عبادة مع الشرك ‏{‏أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ‏}‏ أي أتعلمون أن الأمر كل فصل فلا تتذكرون ذلك حتى تقفوا على فساد ما أنتم عليه فترتدعوا عنه وتعبدوا الله تعالى وحده، وإيثار ‏{‏تَذَكَّرُونَ‏}‏ على تفكرون للإيذان بظهور الأمر وأنه كالمعلوم الذي لا يفتقر إلى فكر تام ونظر كامل بل إلى مجرد التفات وإخطار بالبال

‏[‏بم وقوله سبحانه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً‏}‏ كالتعليل لوجوب العبادة، والجار والمجرور خبر مقدم و‏{‏مَرْجِعُكُمْ‏}‏ مبتدأ مؤخر وهو مصدر ميمي لا اسم مكان خلافاً لمن وهم فيه، و‏{‏جَمِيعاً‏}‏ حال من الضمير المجرور لكونه فاعلاً في المعنى أي إليه تعالى رجوعكم مجتمعين لا إلى غيره سبحانه بالبعث ‏{‏وَعَدَ الله‏}‏ مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة لأنها وعد منه تعالى بالبعث وحيث كانت لا تحتمل غير الوعد كان ذلك من أفراد المصدر المؤكد لنفسه عندهم كما في قولك‏:‏ له على ألف عرفاً، ويجوز أن يكون نصباً على المصدرية لفعل محذوف أي وعد الله وعداً، وأيا ما كان فهو دليل على أن المراد بالمرجوع الرجوع بالبعث لأن ما بالموت بمعزل عن الوعد كما أنه بمعزل عن الاجتماع فما وقع في بعض نسخ القاضي بالموت أو النشور ليس على ما ينبغي‏.‏

وقرىء ‏{‏وَعَدَ الله‏}‏ بصيغة الفعل ورفع الاسم الجليل على الفاعلية ‏{‏حَقّاً‏}‏ مصدر مؤكد لما دل عليه الأول وهو من قسم المؤكد لغيره لأن الأول ليس نصاً فيه فإن الوعد يحتمل الحقية والتخلف‏.‏ وقيل‏:‏ إنه منصوب بوعد على تقدير في وتشبيه بالظرف كقوله‏:‏ أفي الحق أني هائم بك مغرم *** والأول أظهر، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَنَّهُ الله الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ‏}‏ كالتعليل لما أفاده ‏{‏إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ‏}‏ فإن غاية البدء والإعادة هو الجزاء بما يليقب‏.‏ وقرأ أبو جعفر‏.‏ والأعمش ‏{‏أَنَّهُ‏}‏ بفتح الهمزة على تقدير لأنه، وجوز أن يكون منصوباً بمثل ما نصب ‏{‏وَعْدُ‏}‏ أي وعد الله سبحانه بدء الخلق ثم إعادته أي إعادته بعد بدئه، ويكون الوعد واقعاً على المجموع لكن باعتبار الجزء الأخير لأن البدء ليس موعوداً، وأن يكوم مرفوعاً بمثل ما نصب حقاً أي حق بدء الخلق ثم إعادته ويكون نظير قول الحماسي‏:‏ أحقا عباد الله أن لست رائيا *** رفاعة طول الدهر إلا توهما

وعن المرزوقي أنه خرجه على النصب على الظرفية وهو اما خبر مقدم أو ظرف معتمد وزعم أن ذلك مذهب سيبويه، وجوز أن يكون النصب بوعد الله على أنه مفعول له، والرفع بحقاً على أنه فاعل له، وظاهر كلام الكشاف يدل على أن الفعلين العاملين في المصدرين المذكورين هما اللذان يعملان فيما ذكر لا فعلان آخران مثلهما وحينئذ يفوت أمر التأكيد الذي ذكرناه لأن فاعل العامل بالمصدر المؤكد لا بد أن يكون عائداً على ما تقدمه مما أكده، وقرىء ‏{‏حَقّ إِنَّهُ يَبْدَأُ الخلق‏}‏ وهو كقولك‏:‏ حق أن زيداً منطلق‏.‏ وقرىء ‏{‏يُبْدِىء‏}‏ من أبدأ، ولعل المراد من الخلق نحو المكلفين لا ما يعم ذلك والجمادات، ويؤيد ذلك ما أخرجه غير واحد عن مجاهد أن معنى الآية يحيي الخلق ثم يميته ثم يحييه ‏{‏لِيَجْزِىَ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات بالقسط‏}‏ أي بالعدل وهو حال من فاعل ‏{‏يَجْزِى‏}‏ أي ملتبساً بالعدل أو متعلق بيجزي أي ليجزيهم بقسطه ويوفيهم أجورهم، وإنما أجمل ذلك إيذاناً بأنه لا يفي به الحصر، ويرشح ذلك جعل ذاته الكريمة هي المجازية أو بقسطهم وعدلهم في أمورهم أو بإيمانهم؛ ورجح هذا بأنه أوفق بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ‏}‏ فإن معناه ويجزي الذين كفروا بشراب من ماء جار وقد انتهى حره وعذاب أليم بسبب كفرهم فيظهر التقابل بين سببي جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين، مع أنه لا وجه لتخصيص العدل بجزاء المؤمنين بل جزاء الآخرين أولى به كما لا يخفى، وتكرير الإسناد بجعل الجملة الطرفية خبراً للموصول لتقوية الحكم، والجمع بين صيغتي الماضي والمضارع للدلالة على مواظبتهم على الكفر، وتغيير النظم الكريم للمبالغة في استحقاقهم العقاب بجعله حقاً مقرراً لهم والإيذان بأن التعذيب بمعزل عن الانتظام في سلك العلة الغائية للإعادة بناء على تعلق ليجزي بها أولها وللبدى بناء على تعلقه بهما على التنازع، وإنما المنتظم في ذلك السلك هو الاثابة فهي المقصود بالذات والعقاب واقع بالعرض‏.‏